GCF-Logo

تونس ضحيّة سياساتها المناخيّة

تونس ضحيّة سياساتها المناخيّة

تونس ضحيّة سياساتها المناخيّة

23-05-2019

cv1.jpg

اسلام الزرلي

i.zrelli@yahoo.com

Biography:

طالبة في حماية المحيط ناشطة في المجتمع المدني في مجال البيئة و التغيّرات المناخيّة

عرف العالم على مدار قرون قضايا اجتماعيّة و إقتصاديّة كانت قد غيّرت مسار السياسات الدوليّة و الوطنيّة التي أضحت الى ما نحن عليه اليوم. لكنَّ العالم لم يشهد من قبل قضايا بيئية كما شهدتها بلدان العالم في العشر السنوات الأخيرة، من بينها ظاهرة التغيّر المناخي، حيث يقوم مفهومها على التغيرات التي تحدث في طبقات الغلاف الجوي مثل درجة الحرارة ونسبة هطول الأمطار وغيرها من التغيرات التي يتم قياسها على مدار عقود أو فترات أطول والتي تعود بطريقة مباشرة وغير مباشرة الى النشاط البشري.

 و كانت قد اكدّت على هذه الظاهرة التقارير العلمية التي صرحت بها اللجنة الحكوميّة الدوليّة المعنيّة بتغيّر المناخ IPCC  منذ 2013 " التقييم الخامس" حيث  كانت فاصلا بين مؤيد و رافض للتغيّر المناخي في مؤتمر الاطراف العالمي لتغير المناخ COP  و سببا كافيا لتلتزم 196 دولة ضمن الاتفاق العالمي للمناخ في 2015 "اتفاقية باريس"  للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية لأقل من 2 درجات و تحقيق مستقبل مستدام منخفض الكربون.

و اليوم في 2019 يعدّ التغير المناخي من بين اهمّ القضايا العالميّة حسب الامم المتحدّة، و الأوّل على رأس قائمة أهمّ العشرة قضايا التي تشغل جيل الالفيّة، وخاصّة بعد تصاعد وتيرة التقلبّات الجويّة و الكوارث الطبيعيّة التي تستوجبُ حلولا مستعجلة تقوم على التخفيف من الانبعاثات و التكيف مع مخاطر التغير المناخي. لكنّ رغم انّ الاتفاقيات الدولية تشير الى انّ مواجهة ظاهرة التغيّر المناخي هي مسؤولية جماعيّة بين الدول إلاّ  أن بلدان شمال العالم تبقى المسؤول الأوّل لكونها المصدّر الاكبر للانبعاثات  على غرار  بلدان جنوب العالم كالبلدان العربيّة و الافريقيّة التي تدفع فاتورة كبار الملوثين. 

العالم العربي ضحيّة أمْ جانٍ ؟

بغضّ النظر عن كون البلدان العربيّة  تتحمل القسط الاكبر من وطأة الخسائر المتزايدة جراء التغير المناخي إلا انها تعتبر كذلك ضحيّة ذاتها بسبب السياسات البيئية و المناخيّة  التي تعتمدها ومنها سياسة التكيّف مع التغير المناخي.

تتمثل سياسات التكيّف في الواقع على تصميم استراتيجيات وطنية من شأنها تخفيف الضرر  و استغلال الفرص المفيدة لتأثيرات تغير المناخ الحالية و المتوقعة لكن هذه السياسات تتفاوت بين البلدان وفق قدرات كلّ دولة كما هو حال بلدان العالم العربي التي تعتبر ذات سياسات مناخيّة ضعيفة.

فأين تونس من هذا ؟

كواحدة من البلدان العربية كانت قد شهدت تونس في السنوات الاخيرة تطورا ملحوظا في وتيرة الاحداث المناخية خاصة  بعد ارتفاع  درجات الحرارة و الفيضانات الوميضيّة المتتالية التي شهدتها شمال البلاد في سبتمبر 2018 على غرار ارتفاع نسبة مياه البحر  بنسبة 50 سنتيمترا  في السواحل التونسية مهددا جزيرة الأحلام جربة و قرقنة بالغرق، بالاضافة الى تقدم زحف الرمال في جنوب البلاد، الذي اصبح كابوسا للمواطنين و صيحة فزع للفلاحين في الشمال حيث اصبح التصحّر يهدد  %75 من الاراضي التونسية الخضراء و بطريقة أخرى غير مباشرة حقوق الأجيال الحاضرة و القادمة في الحق في الغذاء الكافي و الماء وحقّ العيش في بيئة و مناخ سليم . و مقارنة بهذه الاحداث المناخيّة الأخيرة  فإنّه لا تزال تعتبر سياسات التكيّف التونسيّة محترمة أو اقلّ من محترمة كما ينبغي ذكرها ويعود ذلك بالأساس الى إرساء القضايا البيئية و المناخيّة في اخر قائمة الاولويّات التي يجب النظرـ فيها، ما يتنتّج عنه ضعف قدرات التكيّف مع آثار التغيّر المناخي .

 

على السياسات التونسيّة المناخيّة أن تتجاوز إعلان النوايا ..

اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن التغير المناخي 1993و بروتوكول كيوتو 2002و اتفاق باريس للمناخ 2015.. .

كلّ هذه الاتفاقيات كانت تونس من اول المصادقين  عليها و الواعدين بالالتزام بها في وثيقة مساهماتها الوطنيّة  لكنّها ظلّت التزامات سطحيّة و  مجرد نوايا لا يمكن الارتكان إليها ،امّا الآن و باعتبار الاوضاع البيئية والمناخيّة في تونس فوجوبا على هاته السياسات انّ تتخذ مجرى جديد و اوّلها رفع سقف الاولويّات و ادماج سياسة التكيّف مع التغيرات المناخيّة في اولى قائمة السياسات التونسيّة.

امّا بعد فانّ  العمل على خطّة  تكيّف وطنية  على المدى البعيد (NAP)  و على المدى القصير (NAPAs) واضحة و واقعيّة، ترتكز على احصائيّات و دراسات علميّة لمدى تأثر كلّ قطاع بالتغيّر المناخي، هو أهمّ و أوّل خطوة على تونس العمل عليها، و ذلك بهدف تحديد نقاط الضعف و تقديم خطّة عمل بالتناسق مع جميع الوزارات و الوحدات. لتكون من بعد ذلك توفير التمويل المناخي الخطوة الثانية التي ستحدث التغيير، من خلال  توفير التمويل الكافي لضمان نقل التكنولوجيا، كتوفير التقنيات و الموارد التكنولوجيّة لرصد الأحداث المناخيّة و المعدّات اللازمة للجنة مجابهة الكوارث من أجل التصدّي للخسائر و الأضرار اضافة  الى بناء القدرات لتعزيز الابتكار و التحليل و التخطيط في مجال البيئة و المناخ .

و لانّ التغيّر المناخي يرتبط بشكل كبير و مباشر بالمناخ فانّ  تطوير البنية التحتيّة و السدود تعتبر من اهم المقومّات للتصدّي للآثار الضارّة المترتّبة من تغيّر المناخ، كالفيضانات و زحف الرّمال، فحسب دراسة قامت بها منظمة الاغذية و الزراعة للأمم المتحدة  أظهرت انّ الافتقار إلى البنية التحتية الملائمة يؤدي إلى تفاقم مشكلة نقص المياه. امّا على مستوى القطاع السكني فانّ استراتيجية تطوير المباني و الاحياء المستدامة  المتأقلمة مع التغيّر المناخي لا تتجاوز اهميّة البنية التحتيّة في سياسة التكيّف لكونها جزء من مجلّة حقوق الانسان ضمن " الحق في السكن اللائق" الذي يتاقلم مع درجات الحرارة و التصدي للكوارث.

السلوكيات الفرديّة ايضا تلعب دورا في التكيف مع التغيرات المناخية من حيث الوعي بمخاطر السكن المهدد بارتفاع نسبة مياه البحر وتوسع السكان في المناطق المعرضة للفيضانات لهذا فان  اعتماد سياسة توعية و تثقيف للمجتمع بالتغير المناخي مهمّ  بقدر ضمان حق الانسان في التعليم.

بعد ذكر  كلّ هذه الاستراتيجيات لا نستثني ذكر أهم مبدأ و للأسف أضعفهم في بلداننا العربية من بينهم تونس ألا و هو "الشفافيّة " او بالأحرى المصداقيّة في استخدام التمويلات و تطبيق المشاريع. لذلك فانّ اعتماد سياسة الشفافيّة  داخل سياسة التكيّف عليه ان يكون في اعلى الهرم وبهذا يمكن احراز تقدّم في قدرات التكيّف.

" إذا كنا لا نستطيع وقف التغيرات المناخية فلا بد أن نتعلم كيفية التعايش معها" هذه هي الخلاصة. التغيّر المناخي لا مفرّ منه والخسائر و الأضرار الناجمة عن التغيرات المناخيّة أصبحت أخطر كلما تقدّم شتاء و رحل صيف لذلك على العقل السياسي ان يعيد ترتيب اولوياته و ينظر للتغير المناخي على انّه تفاوض مع الطبيعة فكلما زادت جهود التكيف كانت التكاليف اقل.

مصادر بعض المعلومات المذكورة في المقال:

اللجنة الحكوميّة الدوليّة المعنيّة بتغيّر المناخ https://bit.ly/2K0Uyvh

تقرير عن التغير المناخي في تونسhttps://bit.ly/2wgOqHu

دراسة منظمة الاغذية و الزراعة للأمم المتحدة  https://bit.ly/2VMpiT8

 

See more events

×

Subscribe to our newsletter

*Required
load.gif